(( 2 )))
معرفة النفس أبدأ المعارف!
إن التعرف على المعارف يكون بواحد من سبيلين:-
- العقل بالمدارسة والملازمة للفكرة أو الموضوع المتعرف عليه..
- البصيرة وهي أقوى سبيل ففي الحديث الشريف : "" ليس العلم بكثرة التعلم ولن العلم نور يقذفة الله في قلب من يشاء"".وإن البصيرة تعني عيني القلب وأذنيه إضافة على الحواس الظاهرة ففي نبرة محمدية (ص) عذبة:"" ما من عبد إلا وفي وجهه عينان يبصر بهما أمر الدنيا وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة فإذا أراد بعبد خيرا فتح عينيه اللتين في قلبه فأبصر بهما ما وعده بالغيب فآمن بالغيب على الغيب "".
والمعنى في: ""إذا أراد بعبد خيرا ""أن يوفقه للجهاد مع النفس والاستعداد لها لأن البصيرة هي هتك ستر القلب وإزاحة الأغبرة التي تسفي بها رياح السلوك غير المسؤول وغير المتزن ونزع حجابه الذي ينسج من خيوط الذنوب ..
فإن من أثمن ما قاله الرسول (ص):"" لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت""..فإذا كانت الحجب والستر مسدلة فما عسى أن تنفع المعرفة العقلية والنظرية فكل ما حولك من أغيار وأشياء تلفها الحجب التي لو استطعت أن تفتح عين قلبك ونفسك بعد جهادها ومكافحتها لوجدتها أبعد أداءاً من العين الإلكترونية أو العين الليزرية وأدق في اكتشاف الحقائق والدقائق..
وقد غدا علي وراح على هذا المعنى حتى صار معنى مؤكدا ومستندا صالحا للبناء عليه فغدا من قوله: """ كيف يعرف غيره من جهل نفسه"" كما عد في أقواله:"" لا تجهل نفسك فإن الجاهل معرفة نفسه جاهل بكل شيء""..
وسنشرحه في أكثر من تعبير إن شاء الله تعالى.
التعبير الأول في ضرورة معرفة النفس:
أن النفس تنطوي في داخلها على البوم يحوي على لقطات تأتي على كل شيء في العالم وإن ما يوجد في ألبوم النفس هو الصورة الحقيقية وما نشاهده ونتلامس معه صور ظاهرية .. فهي تماما كشاشة الحاسوب التي لا يعتمد على ما تظهره الشاشة في معرفة تفاصيل البرامج بل لا بد من الانتقال إلى الدماغ(الهادر) للاطلاع على دقائق المعلومات وليس هذا التعبير الذي استمعت إليه شيء أتخيله من تلقاء فهمي.. بل ينسب إلى أمير المؤمنين قريضا يقول فيه:
أتزعم أنك جرم صـــغير وفيك انطوى العالم الأكبر
وحتى نعمق هذا التصور أكثر:نقول: أنت بمعرفتك لنفسك أعرف لغيرك وبجهلك لنفسك أجهل لغيرك يقول: سيد البلغاء علي عليه السلام: "" من عرف نفسه كان لغيره أعرف ومن جهل نفسه كان بغيره أجهل"".
وعلامة الجهل أنت الحسن في الناس قبيحا والقبيح حسنا ولكن ما ربط هذا بمعرفة النفس؟
الحقيقة أنه لا يستطيع أن يدرك الإنسان حقيقة أفعال الناس إلا إذا أدرك صورها في نفسه فكانت صورة القبيح قبيحة من أي صدرت وصورة الحسن حسنة من أي ابتدرت، ولأجل ارتجاج الصورة في بعض النفوس تجده يغفر الذنب أو يجازي عليه تبعا للأشخاص والمقامات لا تبعا لحقيقة الفعل..
التعبير الثاني في ضرورة معرفتها:
أن النفس إذا صقلت وصفيت تكون قادرة على الاستجابة مع كثير من الأمور وتصلح مستندا لمعرفة أشياء باطنة ومتسجنة في النفس وهنا عدة من الأمثلة البسيطة:
1 استجابتها في مجال الحب:"" إذا أردت أن تعرف منزلتك في قلب أخيك فانظر منزلته في قلبك"".
2 وفي مجال التعاون والمساعدة مع الفقراء أيضا يتم الاستناد إلى معرفة النفس:"" انظروا إلى السائل فإن رقت له قلوبكم فاعطوه فإنه صادق"".
3 وفي مجال الاتصال بالأموات الذين هم أولياء الله عز وجل يأتي الحديث لمن يريد أن يتسأذن للدخول إلى المراقد وبيوت أولياء الله تعالى عند الزيارة:"" فإن خشع قلبك ودمعت عينك فهو علامة الأذن ثم ادخل""!
فمن هذا الموقف وذاك وممن لم نذكره ولم نمثل به هنا نعرف أن النفس إذا جردت كانت قادرة على معرفة الأمور الباطنة بأن تصل إشارات من تلك العوالم إلى عالم النفس ولكن هذا لا يحصل لدى من جهل نفسه بل يحصل مع من عرف نفسه فهذبها وآخر كلمة أن بمعرفة النفس نستطيع أن نتعرف ونتصل بالعوالم الأخرى..
وخير إضافة أن نقول بأن هذه العوالم ليس بيننا وبينها مسافات طويلة كما هو الحال بين العوالم الخارجية، بل كل ما بيننا وبينها حجب لا يقدر على طيها إلا العمل على النفس وتربيتها.
التعبير الثالث في ضرورة معرفتها أيضا:
أن النفس تمثل المنبع للخير والشر، ولا دور لمقاومة السيل دون مقاومة المنابع وتجفيفها ولذا فإن الهداة من أهل البيت عليهم السلام لا يخافون وقوع الذنب من المؤمن بقدر ما يخافون النفس كما لا يجعلون للإثم حجما ولكن كل الحجم للنفس يقول النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم: ""لولا أن الذنب خير للمؤمن من العجب ما خلى الله عز وجل بين عبده المؤمن وبين ذنب أبداً ""، وهذا ما يتفسر به حديث آخر وهو قوله صلى الله عليه واله وسلم:""إن المؤمن مفتتن تواب ""، لأن غير المفتتن والتواب يخشى عليه من داء العجب وهو داء نفساني فكل داء يهون دون أدواء النفس ومصائبها!