بسم الله الرحمن الرحيم
أَوْ بَدِّلْهُ
قال الله عزّ و جل : { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } (1) .
اعتراضٌ على رسول الله صلى الله عليه وآله عند تلاوته آياتٍ بيّناتٍ ، فمَن المُعترض ؟ و ما الذي حوته تلك الآيات و أمرت به ؟ و ما الذي طلبوه من النبي صلى الله عليه وآله ؟
أولاً : وصفت الآية الكريمة المعترضين بأنهم { لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } أي أنهم لا يحبّون و لا ينتظرون و لا يحسبون الحساب للقاء الله عزّ وجل ، إمّا لعدم إيمانهم بالمعاد أصلاً ، أو عدم يقينهم به ، أو فسقاً و فجوراً و رغبةً بالدنيا ، و هذه الأوصاف تنطبق على المشركين و كذلك على المنافقين من المسلمين و الفاسقين .
ثانياً : كان ممّا اعتُرض على النبي صلى الله عليه وآله و منذ أول البعثة خلافة عليّ عليه السلام له ، ففي يوم الوليمة التي أقامها صلى الله عليه وآله لبني عبد المطلب بعد نزول قوله تعالى : { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } (2) عرضَ عليهم الإيمان برسالته و الوزارة و الخلافة و الوصاية ، فقبلها علي عليه السلام دونهم ، فقال صلى الله عليه وآله : يا بني عبد المطلب هذا أخي ووارثي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي .
فقام القوم يضحك بعضهم إلى بعض ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمعَ وتطيعَ لهذا الغلام (3) .
و اعترض المنافقون أيضا ً على خلافة علي عليه السلام سرّاً و أحياناً جهاراً ، و لدوافع مختلفة ، منها الحسد له عليه السلام ، أو لبني هاشم أن تجتمع لهم النبوّة و الخلافة ، أو الطمع بحطام الدنيا !
ثالثاً : طلب المعترضون أن يأتي النبي صلى الله عليه وآله { بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا } و القرآن حين نزول هذه الآية الكريمة لم يكن مكتملَ التنزيل ، لأن الآية مكيّة ، فالاعتراض ليس على كلّ القرآن بل على آياتٍ بيّناتٍ منه تحمل أمراً لا يُرضيهم ، فطلبوا تبديلها بآياتٍ اُخرى !
و اقترحوا إذا لم يأتِ { بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا } أن يُبدّله ، و هو نفسُ الطلب الأوّل إذا عاد الضمير على القرآن ، و يلزم منه التكرار المُخل ، إذاً الضمير في { بَدِّلْهُ } يعود على أمرٍ آخر غير القرآن حوته تلك الآيات .
أي أنهم طلبوا إمّا إلغاء الآيات النازلة و استبدالها بغيرها مختلفة ، أو إبقاؤها و تبديلُ الأمرِ الذي بيّنته أو مصداقه الخارجي الذي هو محلّ اعتراضهم و المرفوضُ لديهم .
رابعاً : ما هو هذا الأمر المُهم الذي أقضّ مَضجع الذين لا يرجون لقاء الله عزّ وجل من المشركين أو المنافقين فاعترضوا فيه على القرآن الكريم و على النبي صلى الله عليه وآله ؟!
روي عن أبي حمزة الثمالي أنه قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله تعالى : { ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ } ؟
فقال أبو جعفر عليه السلام : " ذلك قول أعداء الله لرسول الله من خلفه ، و هم يرون أن الله لا يسمعُ قولهم : لو أنه جعل إماماً غير عليٍ أو بدّله مكانه ، فقال ردّاً عليهم قولهم : { قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي } يعني أمير المؤمنين عليه السلام { إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ } من ربّي في علي ، فذلك قوله تعالى : { ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ } " (1).
و عن الصادق عليه السلام في الآية الكريمة قال : " قالوا : أو بدّل علياً " (2) .
خامساً : أمر الله عزّ و جل نبيّه بالردِّ على الطلب الثاني و هو التبديل و أهمل الأول بقوله تعالى : { قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } لأن جوهر المشكلة هو تبديل ما حوته تلك الآيات و ليس نفس الآيات .
و أيضاً لأن التأويل و التفسير و التطبيق من شأن النبي صلى الله عليه وآله و فعله ، أما تبديل الآيات فليس بيده إنزال قرآنٍ أو آياتٍ اُخرى ، و هم يعرفون ذلك و لا حاجة للردّ عليه ، و يؤكّده بقيّة الآية : { إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } ، فأهمل قولهم بتبديل القرآن و أجيب عن تبديل المحتوى و الأمر ، و هو ما لا يفعله النبي صلى الله عليه وآله ، بل عليه إتباع الوحي و العمل بما جاء فيه ، و في تركه العصيانُ و عذابُ يومٍ عظيم .
سادساً : يؤيّد ذلك الآية التالية لها : { قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } فلو شاء الله عزّ وجل ما تلا رسوله صلى الله عليه وآله تلك الآيات البيّنات ، و لا أخبرهم بولاية علي عليه السلام الأمر الذي اعترضوا عليه ! و لقد لبث فيهم عمراً قبل البعثة لم يأت بقرآنٍ و لا بولاية عليٍ عليه السلام حتى جاء الوحي بالآيات و بأمر الله عزّ وجل بولايته عليه السلام ، أفلا يعقلون !
و الحمد لله رَبّ العالمين
(1) - سورة يونس : 15 .
(2) - سورة الشعراء : 214 .
(3) - علل الشرائع للصدوق 1 : 17 .
(1) - بحار الأنوار 36: 139 عن تفسير فرات الكوفي : 62 .
(2) - الكافي 1 : 419 .