بسم الله الرحمن الرحيم
لِمَا يُحْيِيكُمْ
قال الله عزّ وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } (1) .
ما هو الأمرُ الذي طلبَ الله عزّ وجل من المؤمنين أن يستجيبوا له إذا دعاهم إليه النبي صلى عليه وآله ؟
قال بعضُ المفسّرين أنه الدين والإسلام ، وقال آخرون أنه الجهاد أو القرآن أو العلم ، والحق ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام أنه ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام ، وذلك :
أولا : إن الخطابَ في الآية الكريمة موجّهٌ للذين آمنوا ، و هم الذين دخلوا في الإسلام ، و قد استجابوا للرسول صلى الله عليه وآله في قبول الدين ، و لو كان المراد الاستجابة في قبول عموم الدعوة الإسلامية لقالت الآية : يا أيها الناس ، و ليس { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } .
إذاً هناك أمرٌ إلهيٌّ معيّن ٌعظيمُ الأهمية يأمرُ الله عزّ وجل المؤمنين و المسلمين أن يستجيبوا له جلّ وعلا و للرسول إذا دعاهم إليه في قبوله و تنفيذه .
و إذا لاحظنا الفرق بين الإسلام و الإيمان الوارد في قوله تعالى :{ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ .. } (2)يكون الخطاب في الآية موجّهاً لأشرف المخاطَبين و أهمّهم لدى المُتكلّم ، و هم الذين آمنوا ، و يُراد به جميع المسلمين ، و ذلك لوحدة الغاية في الأمر الإلهي ، و وحدة المكلّفين بالأمر ، و لعدم وجود ما يدلّ في الآية على الخصوصيّة للمخاطَبين بصفة الإيمان .
ثانياً : يُستفاد من الآية الكريمة أن كلّ ما يأمر به النبي صلى الله عليه وآله و يدعو إليه هو أمر من الله تعالى ، و الاستجابة له استجابة لله جلّ وعلا ، لأنها حصرت الدعوة بالرسول بقوله تعالى : { اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ } فكلّ ما طلبه و دعا إليه صلى الله عليه وآله هو من عند الله عزّ وجل ، و هذا موافق للأمر الإلهي في قوله تعالى : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } (1).
ثالثاً : وصف الله عزّ وجل أهميّة الأمر الذي يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وآله بأنه يحيي المسلمين بقوله تعالى : { إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } .
فهو أمرٌ حيويٌ و مهمٌ و ضروريٌ إن لم يستجيبوا له سيبقون بدونه أمواتاً ، و الأخذ به يُحيي المسلمين و المؤمنين في كلّ شؤونهم ، لأن إحياءَ الميتِ إحياءٌ لكلِّ أقسامه ، جسماً و روحاً و عقلاً و قلباً ، و هذا الوصف لنتائج الالتزام بالأمر الإلهي النبوي ينطبق على ولاية أمير المؤمنين و ثم الأئمة الإثني عشر عليهم السلام ، لأن هذه الولاية و المتابعة تُحيي العقول و الأفكار بالعقائد الصحيحة من علمه عليه السلام المأخوذ عن النبي صلى الله عليه وآله عن الله عزّ وجل ، و تُحيي القلوب بعظيم إيمانه ، و تُحيي الأمّة بعدله التام و سيرته الموافقة للقرآن الكريم و سنة النبي صلى الله عليه وآله ، و توحّد الأمة على إمامٍ معصومٍ في العلم و العمل اصطفاه الله تعالى لإمامة المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله و هو أجمع لأمرهم .
قال صلى الله عليه وآله : " اسمعوا وأطيعوا لمَن ولّاه الله الأمر، فإنه نظام الإسلام " (2) .
و قال الإمام علي عليه السلام : " الإمامة نظام الأمة " (3) .
و قال أيضاً : " مكانُ القيّمِ بالأمرِ مكانُ النظامِ من الخَرَز ، يجمعه ويضمّه ، فإن انقطع النظام تفرّق و ذهب ، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا " (4) .
و عن الإمام الرضا عليه السلام : " إن الإمامة زمام الدين ، و نظام المسلمين ، و صلاح الدنيا و عزّ المؤمنين " (1) .
و قالت الزهراء عليها السلام : " و طاعتنا نظاماً للملّة ، وإمامتنا أماناً من الفرقة " (2) .
رابعاً : قال أبو عبد الله عليه السلام في الآية الكريمة: " نزلت في ولاية علي عليه السلام "(3).
و عن أبي جعفر عليه السلام أنه دعاكم : " إلى ولاية علي عليه السلام ، فإن استجابتكم له في ولاية علي عليه السلام أجمع لأمركم " (4).
و عنه أيضاً أن الدعوة في الآية الكريمة : " ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام ، فإن إتباعكم إياه و ولايته أجمع لأمركم ، و أبقى للعدل فيكم " (5).
خامساً : قوله تعالى : { .. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ .. } يعني أن القلوب بيد الله عزّ وجل لا يمكن التلاعب بما أودع فيها من ميزانٍ للحق و الباطل ، و من البصيرة القلبيّة .
قال الإمام الصادق عليه السلام : " هو أن يشتهي الشيء بسمعه و ببصره و لسانه و يده ، أما إن هو غشي شيئاً مما يشتهي فإنه لا يأتيه إلا وقلبه منكرٌ لا يقبل الذي يأتي ، يعرف أن الحق ليس فيه . " (6) .
وعنه عليه السلام : " لا يستيقن القلبُ أن الحقَّ باطلاً أبداً و لا يستيقن أن الباطل حقاً أبداً "(7).
فالحجّة تامة في الحق و الباطل تعرفها القلوب ، و لا يمكن للمنافقين أن يودعوا قلوبَهم اليقين بما يقولون من الباطل فيكون حُجّة لهم ، أو يُخرجوا اليقين بأحقيّة ولاية أمير المؤمنين عليه السلام من قلوبهم فتسقط الحُجّة عنهم ، بل الحق واضحٌ و الباطل بيّنٌ و الحساب ينتظرهم ، وبهذا حمّلهم المسؤولية الكبرى ، ثم ختم الآية الكريمة بقوله تعالى : { .. وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }.
سادساً : يؤيد خطورة عدم الاستجابة للأمر الإلهي المُشار إليه في الآية الكريمة بدعوة النبي صلى الله عليه وآله الآية التالية لها و المعطوفة عليها : { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } ، و تنكيرُ { فِتْنَة } لتعظيمها.
ففي تركِ ولاية علي عليه السلام و خلافته للرسول صلى الله عليه وآله و إمامته حدوثُ فتنةٍ عظيمةٍ لا يقتصر بلاؤها على الظالمين منهم خاصّة بل تعم كلّ المسلمين ، و هي المحنة و البلاء و الخلافات و الحروب ، و هو طالما حذّر منه النبي صلى الله عليه وآله أمّته في أكثر من مناسبة ، و تاريخ المسلمين منذ وفاته و حتى اليوم يشهد على فقدان الحياة كما أراد الله تعالى للمسلمين و المؤمنين ، و على حصول الفتنة و الفتن و التفرّق مذاهبَ شتّى و التناحر و سفك الدماء و التكفير ، كلُّ ذلك أصاب الظالمين و غيرهم .
روى الحسكاني في شواهد التنزيل بإسناده عن ابن عباس أنه لمّا نزلت : { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } قال النبي صلى الله عليه وآله : " من ظلم علياً مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوّتي ونبوّة الأنبياء قبلي " (3) .
و الحمد لله رَبّ العالمين
(1) - سورة الأنفال : 24 - 25 .
(2) - سورة الحجرات : 14 .
(1) - سورة الحشر : 7 .
(2) - ميزان الحكمة 1 : 115 .
(3) - المصدر .
(4) - المصدر .
(1) - المصدر .
(2) - بحار الأنوار 29 : 223 .
(3) - الكافي للكليني 8 : 248 .
(4) - المصدر 1 : 238 .
(5) - بحار الأنوار للمجلسي 9 : 210 .
(6) - المحاسن للبرقي 1 : 276 .
(7) - تفسير العياشي 2 : 52 .
(3) - المناقب لابن شهر آشوب 3 : 17 .