بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله عزّ وجل : { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا } (1) .نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
الفتح يقابل الإغلاق ، و هو في الحياة الفرج المزيل للهمّ ، و قد يكون بالحجّة و البرهان ، أو بالنصر الحربي على الأعداء ، أو بإهلاكهم من الله عزّ وجل .
ففي قصّة نوح عليه السلام حصل ضيق و إغلاق حول نوح والذين آمنوا معه ، و تعسّرت حركة الدين ، و زاد الهمّ و ضعف الأمل حتى ناجى نوح ربّه : { قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } (2) .
فنجّاه الله عزّ وجل و من معه و أهلك أعداءه ، و فتح الطريق أمام حياة إيمانية جديدة.
فتح مكة
و في حياة الرسول صلى الله عليه وآله و بعثته كان لقريش أكبر الأثر في محاصرة النبي و أتباعه على مدى إحدى وعشرين عاماً تقريباً – أي حتى السنة الثامنة للهجرة - حيث كان النبي صلى الله عليه وآله قد مُنع من نشر دعوته في مكة كما يريد ، وعوقب من آمن به من الضعفاء و العبيد ، و صبر على ذلك مدة ثلاثة عشر عاماً حتى هاجر إلى المدينة المنوّرة ، فأصبحت مرمى لسلاحهم و حقدهم و دسائسهم .
أما عرب الجزيرة فكانوا ينظرون إلى قريش و مكة على أنها عاصمتهم الدينية والسياسية و الاجتماعية و الاقتصادية ، و قد زادت قصة أصحاب الفيل و هلاك إبرهة وجيشه بالطير الأبابيل من عقيدة الناس بهم و بقدسية مكة المكرّمة ، و لم يكونوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وآله ما يقول إلا تسريبات لا تحسم لهم الأمور ، و بالتالي كان النبي صلى الله عليه وآله و المسلمون في حصارٍ و ضيقٍ و إغلاق ، ولم تتوقف المحاولات للقضاء التام على هذه الدعوة الإلهية بكل الوسائل ، حتى جاء صلح الحديبية الذي كان فتحاً بحدّ ذاته ، فقد حصل الاعتراف بالدين الجديد و مهّد لفتح مكة فنزل القرآن الكريم : { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا } (1) .
و أيضاً نزل بعد ذلك قوله تعالى مبشراً بفتح مكة : { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا } (2) .
و قوله تعالى : { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا } (3) .
ونلاحظ أن الفتح هنا عُبّر عنه بصيغة التنكير و ليس معرّفاً كما في سورة النصر مما يشير إلى محدودية هذا الفتح بالنسبة إلى الفتح المُعرّف باللام في سورة النصر .
الفتح الحسيني
و بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله عُطلت الإمامة و الخلافة الربّانية ، و بدأت مخالفة سُنن النبي صلى الله عليه وآله شيئاً فشيئاً ، و قامت الفتن ، و سُفكت الدماء بين المسلمين ، و وقعت الحروب ، و حوّلت خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى مُلكٍ عَضوضٍ و بالوراثة أيام بني أمية حتى استولى يزيد على السلطة .
و كان الناس مع الحاكم فيما المؤمنون و الصحابة الخلّص و أهل البيت عليهم السلام في ضيقٍ و همٍّ و انغلاق حتى جاء الفتح الحسيني الذي فتح الطريق أمام الإيمان السليم الكامل القائم على كتاب الله و سنّة نبيّه و إتباع الخلفاء الحق المنصوبين من قبل الله عزّ وجل لقيادة المجتمع الإسلامي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وانفصلوا عن الحاكم المنحرف المتسلّط على الخلافة راجعين إلى الأئمة المعيّنين من قبل الله تعالى .
و قد عبّر الإمام الحسين عليه السلام عن ذلك في رسالته التي وجّهها إلى بني هاشم عندما قصد متوجّهاً إلى العراق قائلا : " بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن علي إلى بني هاشم ، أما بعد فإنه مَن لحق بي استشهد و مَن تخلّف عنّي لم يبلغ الفتح ، و السلام " (4) .
الفتح المهدوي
كلنّا يعلم أن الإسلام جاءَ بخيرِ الدارين هادفاً إسعاد الإنسان و المجتمع في الحياة الدنيا و في الآخرة : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } (1) .
و قال تعالى لنبيّه صلى الله عليه وآله : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } (2) .
و في أمر الله عزّ وجل أن يأخذ النبي صلى الله عليه وآله بيد الناس على المحجّة البيضاء ، و يوصل لهم العلم و الأحكام الكفيلة بسعادتهم أفراداً و جماعات و يقودهم بنفسه و يسير بهم بعصمته ، فكانت الولاية على المسلمين بعد الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله ، و من بعده لأوصيائه الأئمة المعصومين عليهم السلام كما هو نصّ آية الولاية : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } (3) .
وقد بشرّ النبي صلى الله عليه وآله الناس بالحياة الكريمة التامّة و الفتح المبين في كلِّ الميادين ، كما قال الله تعالى في مثل ضربه : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ } (4) .
و بعد هذه الآية المُفسَّرة بزمان الإمام المهدي عجّل الله فرجه قال تعالى : { وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ * فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ } .
قال الإمام الصادق عليه السلام : " { يَوْمَ الْفَتْحِ } يوم تفتح الدنيا على القائم لا ينفعُ أحداً تقرّب بالإيمان ما لم يكن قبل ذلك مؤمناً و بهذا الفتح موقناً ، فذلك الذي ينفعه إيمانه ، ويعظم عند الله قدره و شأنه ، و تُزخرف له يوم البعث جِنانه ، و تحجب عنه نيرانه ، وهذا أجرُ الموالين لأمير المؤمنين و ذرّيته الطيّبين ، صلوات الله عليهم أجمعين " (1) .
سورة النصر
المشهور – استناداً لكثيرٍ من المفسّرين – أن الفتح المذكور في السورة الكريمة هو فتح مكة ، و هو غير سليم ، و ذلك :
أولا : إن الوارد في كثير من المصاحف أنها نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله بعد فتح مكة بأكثر من عام ، فكيف يكون المبشّر به سابق على البشارة ؟
ثانيا : إن الناس لم يدخلوا في دين الله أفواجاً بعد فتح مكة بل دخلوا طلقاءً ، و كثير منهم دخل منافقاً مضطراً لإشهار إسلامه ، و هم الذين عملوا على تقويض البناء الإسلامي من داخله ، أما مَن هم خارج مكة فلم يسارعوا للدخول في الإسلام أفواجاً أيضاً ، بل كانت هناك معركة حُنين العظيمة التي تجمّع فيها الكثير من القبائل للانتقام لفتح مكة ، و محاولة صد التمدّد الإسلامي بعده .
ثالثا : إن سورة النصر هي آخر سورة نزلت تبشّر النبي صلى الله عليه وآله بفتح الأرض و دخول الناس في دينه كافة بعد وفاته صلى الله عليه وآله ، لذا قال لجبرائيل عليه السلام بعد تبليغه بالسورة : " يا جبرائيل نفسي قد نُعيت " (1) .
وعن علي عليه السلام قال : " لمّا نزلت على النبي صلى الله عليه وآله : { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } قال لي : يا علي إنه قد جاء نصر الله و الفتح ، فإذا رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبّح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً .
يا علي إن الله قد كتب على المؤمنين الجهاد في الفتنة من بعدي كما كتب عليهم جهاد المشركين معي .
فقلت : يا رسول الله وما الفتنة التي كتب علينا فيها الجهاد ؟
قال : فتنة قومٍ يشهدون أن لا إله إلا الله و أني رسول الله ، مخالفون لسنّتي و طاعنون في ديني .
فقلت : فعلام نقاتلهم يا رسول الله وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ؟
فقال : على إحداثهم في دينهم ، وفراقهم لأمري ، واستحلالهم دماء عترتي" (2) .
و في تفسير علي بن إبراهيم قال : نزلت بمنى في حجة الوداع { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } فلما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " نعيت اليّ نفسي "
فجاء إلى مسجد الخيف فجمع الناس ثم قال : " ... إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله و عترتي أهل بيتي ، فانه قد نبّأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، كإصبَعي هاتين – و جمع بين سبّابتيه – و لا أقول : كهاتين – و جمع بين سبّابته و الوسطى – فتفضل هذه على هذه " (1) .
الخلاصة
إن سورة النصر هي السورة الأخيرة في النزول على النبي صلى الله عليه وآله ، نزلت في حجّة الوداع و هي تحمل التسلية لقلب النبي صلى الله عليه وآله والبشارة له و لأهل بيته و المؤمنين بحتميّة حصول الوعد الإلهي بالنصر الكامل و ظهور الدين الحق على الدين كله و لو كره المشركون و المنافقون و الظالمون ، فيدخل الناس في دين الله أفواجاً ، و ما ذلك إلا فتحاً للدنيا على القائم عجّل الله فرجه ، الذي يملأها قسطاً و عدلاً بعدما مُلأت ظلماً و جوراً .
و الحمدُ للهِ رَبّ العالَمين
(1) - سورة النصر .
(2) - سورة الشعراء الآية : 17 ، 18 .
(1) - سورة الفتح .
(2) - سورة الفتح : 18.
(3) - سورة الفتح : 27.
(4) - دلائل الامامة : 188
(1) - سورة الاعراف : 96 .
(2) - سورة الانبياء : 107.
(3) - سورة المائدة : 55 .
(4) - سورة السجدة : 27.
(1) - تأويل الآيات 2 : 445.
(1) - المعجم الكبير للطبراني 2 : 2676 .
(2) - أمالي الشيخ المفيد : 288.
(1) - عنه تفسير البرهان 5 : 517 .









رد مع اقتباس